أحداث نيوز – لوطفي حميد
لم تعد قضية الدكتور رشيد شرقاب، أستاذ التعليم العالي وطبيب التخدير والإنعاش بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، قضية مهنية عابرة، بل تحولت إلى ملف رأي عام، يثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط الطبية والنقابية والحقوقية والإعلامية، ويطرح أسئلة جوهرية حول حماية المُبلّغين وضمانات المحاكمة العادلة.
أولاً: ما الذي حدث؟
بدأت القصة من داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، حيث اشتهر الدكتور شرقاب بمواقفه الحادة وانتقاداته المتكررة لما اعتبره اختلالات وسوء تدبير داخل المؤسسة، وتقدمه بشكايات إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية سنة 2024 حول شبهات فساد وتبديد للمال العام.
لكن مسار القضية انقلب بشكل لافت، فبدلاً من فتح تحقيق في شكاياته، وجد شرقاب نفسه متابعاً أمام القضاء، على خلفية خمس شكايات تقدم بها رؤساء مصالح وأطباء وأساتذة، يتهمونه وزميله النقابي عبد اللطيف صدار بالتشهير والمساس بسمعتهم، وانتحال صفة حددت السلطة العامة شروط اكتسابها، وذلك على خلفية بلاغات نقابية ووقفات احتجاجية داخل المستشفى.
وبتاريخ 21 أكتوبر 2026، قضت المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء بإدانة شرقاب بسنة واحدة حبساً نافذاً وغرامة مالية قدرها 5000 درهم، وإدانة صدار بسنتين حبساً نافذاً، وتقني آخر بستة أشهر، مع تعويضات مدنية مهمة، وأمرت باعتقال شرقاب من داخل قاعة المحكمة رغم حضوره لجميع الجلسات في حالة سراح.
وبتاريخ 2 نونبر 2026، رفضت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء طلب السراح المؤقت لفائدته، وقررت تأجيل النظر في القضية إلى غاية 16 نونبر الجاري، لمنح الدفاع مهلة لإعداد ملفه.
وفي موازاة ذلك، يمثل شرقاب اليوم، 5 نونبر 2026، أمام المحكمة الابتدائية بعين السبع في ملف ثانٍ يتعلق بنفس التهم.
ثانياً: لماذا أثارت القضية هذا الجدل؟
تعود قوة التعاطف مع شرقاب إلى مفارقة يراها كثيرون صادمة: مُبلّغ عن فساد مفترض يتحول إلى معتقل، بينما لم تُفتح، حسب دفاعه، أي تحقيقات معلنة في مضمون شكاياته.
وقد عبرت هيئات حقوقية، كالجمعية المغربية لحماية المال العام وترانسبارانسي المغرب والمركز المغربي لحقوق الإنسان، عن تضامنها معه، معتبرة أن اعتقال أستاذ جامعي يتوفر على جميع ضمانات الحضور يطرح تساؤلات حول حماية المبلغين وضرورة فتح تحقيق مستقل في الاتهامات المتبادلة.
في المقابل، يرى المشتكون وداعمون لهم داخل المركز الاستشفائي أن القضية لا تتعلق بحرية التعبير أو الإبلاغ، بل بوقائع تشهير ثابتة مست أعراضهم المهنية والشخصية، وأن القضاء الابتدائي قد قال كلمته بناءً على أدلة ووثائق.
ثالثاً: ما الذي سيحدث؟
تتجه الأنظار الآن إلى ثلاث محطات حاسمة ستحدد مآل هذا الملف:
1. جلسة 5 نونبر بعين السبع: هل سيتم ضم هذا الملف الثاني إلى الملف الرئيسي، أم سيُفتح مسار قضائي جديد يزيد من تعقيد الوضعية القانونية للطبيب؟
2. جلسة 16 نونبر بمحكمة الاستئناف: وهي الجلسة الأكثر أهمية، حيث يراهن دفاع شرقاب، الذي يضم أزيد من 35 محامياً، على إبطال الحكم الابتدائي، متحدثاً عن خروقات إجرائية وظروف استثنائية صاحبت المحاكمة. فهل ستنصفه استئنافية الدار البيضاء وتفرج عنه، أم ستؤيد الحكم الابتدائي؟
3. مصير شكايات الفساد: يبقى السؤال المركزي الذي ينتظر المغاربة الإجابة عنه: هل سيتم فتح تحقيق قضائي مستقل ونزيه في شكايات الفساد التي تقدم بها شرقاب حول تدبير المركز الاستشفائي ابن رشد؟ فثبوت تلك الاختلالات من عدمه سيغير المعادلة كاملة.
إن قضية الدكتور شرقاب لم تعد قضية طبيب بمفرده، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لثلاثة مبادئ أساسية في دولة القانون: حماية المُبلّغين عن الفساد، وضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، واستقلالية القضاء عن الصراعات المهنية والنقابية.
وما سيحدث في 16 نونبر المقبل لن يحدد فقط مصير طبيب، بل سيرسل رسالة واضحة: هل يُشجع المغرب على كشف الفساد، أم أن الكلام عن الاختلالات داخل المؤسسات العمومية سيظل مغامرة قد تكلف صاحبها حريته.
