01/11/2026

في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تشكل فضيحة تهيئة مراكش درساً قاسياً في المحاسبة وفسخ العقود، يبدو أن أبطال تلك الفضيحة تقاسموا الأدوار مجدداً، ليعاودوا الكرة في مدينة آسفي، ولكن بنسخة أشد وطأة وأكثر مبالغة في اللامبالاة والاستهتار بالمال العام وكرامة المواطنين.

إنه ليرقى إلى مستوى “اللغز المحير”؛ كيف لمؤسسة حكومية بحجم مجموعة “العمران” أن تستمر في وضع ثقتها ومنح صفقاتها الحيوية بذات الأسلوب لجهات طالما حاصرتها التنديدات المدنية والتقارير السوداء ؟ هذا التمادي يضعنا أمام سؤال استنكاري مشروع: ما الذي تمسكه هذه الجهات المنفذة على مسؤولي العمران حتى تضمن نيل الصفقات وممارسة التشويه البنيوي بكل هذه الطمأنينة والجرأة؟

اليوم، تتكرر نفس التجربة بملامح تفوق في بشاعتها وتجاوزت توقعات أكثر المتشائمين في “شارع مولاي يوسف” بآسفي. فالورش المفتوح تحول إلى مسرح للتشوهات الهندسية؛ من أرصفة تتشقق من تلقاء نفسها قبل التدشين، إلى طريق معبد بأسفلت مهترئ يسهل اقتلاعه باليد، صبّاً للإسمنت في أحواض النخيل، وصولاً إلى مهزلة بالوعات الصرف التي تعلو عن مستوى الأرض بنحو 5 سنتيمترات كاملة!

هذا العبث التقني يتزامن مع اقتراب فصل الشتاء، والشارع غير مؤهل بتاتاً لاستقبال قطرة مطر واحدة، مما ينذر بكارثة حقيقية تعيد غرق الشريان الشمالي للمدينة. والمثير للصدمة، أنه في خضم هذا الخطر المحدق، ما زال السادة المسؤولون، والمراقبون، والمنتخبون يفضلون البقاء في مكاتبهم المكيفة، رافضين النزول إلى الميدان للوقوف على هذا الوضع الكارثي قبل فوات الأوان.

إن أخطر ما في هذه العقلية التدبيرية، هو نزوع المسؤولين عند وقوع الفواجع إلى التملص من المسؤولية التقنية والتقصير البشري، ونسب أخطائهم وإهمالهم الجسيم إلى مشيئة الله والأقدار الطبيعية؛ بينما الحقيقة الموثقة ميدانياً تنطق بأنها مشيئتهم هم في غض الطرف وترك الحبل على الغارب للمقاول العابث، وتناسي القول الحكيم في محكم التنزيل: “مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ”.