27/07/2026



لم تعد المهرجانات السينمائية في العالم العربي مجرد محطات سنوية لعرض الأفلام أو توزيع الجوائز، بل أصبحت فضاءات حقيقية للحوار الثقافي، ومنابر تحتفي بالإبداع، وتؤمن بأن السينما قادرة على مدّ الجسور بين الشعوب، وحفظ الذاكرة، وإعادة طرح الأسئلة التي تشغل الإنسان العربي. ومن هذا المنطلق، يواصل مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي ترسيخ مكانته عامًا بعد آخر، باعتباره أحد أبرز المواعيد السينمائية التي تجمع صناع الفن السابع من مختلف أنحاء الوطن العربي في مدينة عُرفت دائمًا بانفتاحها واحتضانها للإبداع.


وجاءت الدورة السابعة للمهرجان لتؤكد هذا الحضور المتنامي، من خلال برنامج سينمائي متنوع، جمع بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والأفلام الوثائقية، إلى جانب الندوات الفكرية، والماستر كلاص، واللقاءات المفتوحة مع المخرجين والممثلين والنقاد، في تجربة ثقافية متكاملة تجاوزت حدود الشاشة لتلامس قضايا الإنسان العربي وهمومه وتطلعاته.
ومع إسدال الستار على فعاليات هذه الدورة، لم يكن المشهد مجرد احتفال بإعلان الفائزين، بل كان احتفاءً بالسينما العربية في أبهى صورها، وبقدرتها على أن تظل مساحة للتفكير، والحوار، والتعبير الحر، مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت الوسائط.
ولعل أكثر ما ميّز هذه الدورة هو الحضور الوازن لكوكبة من الفنانين والمخرجين وصناع السينما العرب، الذين أضفوا على المهرجان بريقًا خاصًا، وفي مقدمتهم الفنان المصري محمد فراج، الذي قدّم خلال الماستر كلاص تجربة ملهمة استعرض فيها محطات من مسيرته الفنية، متحدثًا عن أهمية الصدق في الأداء، واحترام عقل المشاهد، والإيمان بأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالاجتهاد والاستمرار.
كما كان حضور الفنانة المصرية القديرة سماح أنور محطة لافتة، ليس فقط لما تمثله من قيمة فنية كبيرة في السينما والدراما العربية، وإنما أيضًا لما عُرفت به من عفوية وتواضع وقرب من محبيها والإعلاميين، وهو ما عكس الوجه الإنساني للفنان الحقيقي، الذي يظل وفيًا لجمهوره أينما حلّ.
وشهدت الدورة كذلك حضور المخرج المغربي نبيل عيوش، أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ حضور السينما المغربية على الساحة الدولية، إلى جانب المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، والمخرجة السعودية هند الفهاد، وعدد كبير من المخرجين والمنتجين والنقاد والإعلاميين الذين أثروا النقاشات واللقاءات الفكرية التي احتضنها المهرجان.
وكان للتكريمات التي خصصها المهرجان هذا العام وقع خاص، إذ جاءت اعترافًا بمسارات فنية تركت بصمة واضحة في تاريخ السينما العربية، في رسالة تؤكد أن الاحتفاء بالمبدعين لا يقل أهمية عن الاحتفاء بالأعمال السينمائية نفسها، وأن الوفاء لأصحاب العطاء يظل من القيم النبيلة التي يكرسها هذا المهرجان عامًا بعد عام.
وعلى مستوى المنافسة الرسمية، حملت النتائج الكثير من الدلالات الفنية، حيث توّج الفيلم المصري “شكوى رقم 713317” للمخرج ياسر شفيعي بالجائزة الكبرى للمهرجان، بعد أن حظي بإشادة واسعة من لجنة التحكيم، لما يقدمه من معالجة إنسانية عميقة ولغة سينمائية ناضجة، تؤكد أن السينما المصرية لا تزال قادرة على تقديم أعمال تلامس الواقع وتثير النقاش.
كما عادت جائزة لجنة التحكيم الخاصة إلى الفيلم العراقي “فلانة” للمخرجة زهراء غندور، في تتويج يعكس قوة الحضور النسائي في الإخراج العربي، بينما نال الفنان المصري الكبير محمود حميدة جائزة أفضل ممثل عن أدائه المتميز في فيلم شكوى رقم 713317، في حين تُوجت الممثلة التونسية زينب المالكي بجائزة أفضل ممثلة عن أدائها اللافت، الذي حظي بإشادة النقاد وأعضاء لجنة التحكيم.
ولم تغب السينما المغربية عن منصة التتويج، إذ حصد فيلم “النمل” للمخرج ياسين فنان جائزة أفضل سيناريو، بينما فاز الفيلم الوثائقي “بحيرة الأيتام” للمخرج سالم بلال بجائزة أفضل فيلم وثائقي، في تأكيد جديد على الحضور المتنامي للإنتاج المغربي داخل المشهد السينمائي العربي.
غير أن قيمة المهرجانات الكبرى لا تُقاس بعدد الجوائز وحدها، بل بما تخلقه من لقاءات إنسانية ومهنية، وما تفتحه من آفاق للتعاون والحوار بين الفنانين والإعلاميين والجمهور.
وبوصفي صحفية حضرت فعاليات حفل الاختتام، لم تكن مشاركتي مجرد تغطية إعلامية لحدث ثقافي، بل كانت تجربة مهنية وإنسانية ثرية، أتاحت لي فرصة اللقاء بعدد من القامات الفنية والثقافية والدبلوماسية، في أجواء اتسمت بالاحترام والتقدير والانفتاح، وهو ما يعكس الروح التي سعى المهرجان إلى ترسيخها منذ انطلاقته.
ومن بين أكثر اللحظات التي ستظل راسخة في ذاكرتي، لقائي بالفنانة القديرة سماح أنور، التي لمست فيها تواضعًا صادقًا وإنسانية جميلة، إلى جانب لقائي بالمخرج المغربي نبيل عيوش، والمخرج المصري ياسر شفيعي، وسعادة السفير اليمنيالسيد عزالدين الاصبحي ، وهي لقاءات أكدت لي أن السينما لا تصنعها الكاميرا وحدها، بل يصنعها أيضًا الإنسان بقيمه، واحترامه للآخر، وإيمانه بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.
ولأن نجاح أي مهرجان لا يأتي من فراغ، فإن ما تحقق في هذه الدورة يعكس رؤية واضحة وجهدًا جماعيًا قادته الأستاذة فاطمة النوالي، رئيسة المهرجان، رفقة فريق عمل آمن بأن التظاهرات الثقافية الكبرى تُبنى بالعمل المؤسسي، والدقة في التنظيم، وحسن الاستقبال، والاهتمام بأدق التفاصيل. وقد نجحت هذه الرؤية في تقديم دورة راقية، تركت انطباعًا طيبًا لدى الضيوف والإعلاميين والجمهور، ورسخت صورة مشرقة عن مدينة الدار البيضاء باعتبارها فضاءً يحتضن الثقافة والفن والإبداع.
وأنا أغادر قاعة الاختتام، لم أحمل معي صورًا مع نجوم السينما فحسب، بل حملت قناعة راسخة بأن السينما العربية، رغم كل التحديات، ما زالت تنبض بالحياة، وما زالت تمتلك القدرة على جمع القلوب قبل أن تجمع عدسات الكاميرات، وأن مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي لم يعد مجرد موعد سنوي، بل أصبح مشروعًا ثقافيًا عربيًا يستحق كل التقدير، لأنه يمنح الفن مكانته، ويمنح الإنسان مساحة للحلم، ويؤكد أن الثقافة ستظل دائمًا إحدى أجمل صور الأوطان.


بقلم: عبير وحيد