18/08/2026

ان سلوك الحكومة ازاء التقاعس عن اصدار مشاريع المراسيم والقرارات المتصلة بتدبير الجانب المالي للوظائف والمسؤليات القضائية او تفعيل الاستقلال المالي لمؤسسة النيابة العامة او المجلس الاعلى للسلطة القضائية لا يمكن تفسيره الا في مسلسل التضييق على ولادة حقيقية للسلطة القضائية والرغبة في اخضاعها والتاثير عليها لتكون تابعة للسلطة التنفيذية بدون اي استقلالية تذكر وبالتالي الحكم عليها بالفشل انتقاما من حلم الاستقلالية الذي طالما تمنينا ان نراه واقعا وحقيقة لذر الرماد في الاعين كما تبتغي الحكومة
ومما لا شك فيه فان توازن السلطات وفقا للدستور يقتضي تقسيم مالية الدولة على السلطات الثلاث بشكل متوازن ويفرض ان ينال القاضي اجر رئيس الحكومة كممثل للسلطة التنفيذية ورئيسي البرلمان كممثلي السلطة التشريعية لكن ما نعيشه اليوم من التضييق المنظم والممنهج على السلطة القضائية واعضائها يثبت بقاطع عدم وجود اي نية للحكومة في تنزيل الاستقلال المالي وتحصين القضاة اقتصاديا واجتماعيا تبعا لمركزهم وكرامتهم وكرامة الرسالة التي يشغلونها لقطع الطريق على اي منفذ يمس تخليق مرفق القضاء ونزاهته والثقة المفترضة فيه
حاصل القول اليوم ان السلطة القضائية في مفترق الطرق ويراد تحجيم دورها من طرف حكومة العدالة والتنمية لاقبار استقلاليتها واهانة اعضائها لتكريس تبعيتها للسلطة التنفيذية لاسيما ان كل الميزانية التي كان يتم توفيرها لوزارة العدل سابقا ابان رئاسة وزيرهم للعدل لها انقطع صبيبها اليوم وكانه يراد الانتقام من الفصل بين وزارة العدل والسلطة القضائية للحنين نحو التبعية
فرغم تقديرنا لدور وزير العدل الحالي وحسن نيته في تدبير المرفق الا ان الحكومة غير مبالية باهمية توفير شروط استقلال السلطة القضائية وانضاج التجربة وانجاحها لصالح الاستقلال المؤسساتي المالي الحقيقي وليس الصوري ولصالح ضمان كرامة القاضي ويدخل ضمنها تحصينه ماليا بمراجعة الاجور بشكل دوري وضمان حصوله على التعويضات عن الوظائف والمسؤليات حتى يبت في القضايا ويحكم بضمير لان الضمير وحده لا ينفع ,فالاستقرار المادي هو عنوان الكرامة والضمير والثقة والاحساس بالمسؤلية لان الشجاعة لا تكفي اذا كان القاضي غير محصن من مغريات الوظيفة, فعلى الحكومة ان تحاسب نفسها في هذا المضمار
لقد تثبت جليا من تنطع الحكومة وظلمها للسلطة القضائية انها تقول للقضاة ان الاستقلالية لا تنتج بالقانون وانما بارادتي التي يمكنها ان تعصف باي شيء طالما انها تملك مفاتيح الرزق ومصادر التمويل مما يجعل مطلب الاستقلال المالي للسلطة القضائية بجميع اجهزتها ومحاكمها وقضاتها وموظفيها اليوم هو الفيصل لاثبات الذات وقطع مداخل التاثير عليها وفي غيابه فان الاستقلالية ليست سوى خدعة قد يصدقها الحالمين من امثالي .