قضت المحكمة الدستورية في المغرب، اليوم الخميس، بعدم دستورية مواد في القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. وهي حلقة جديدة من مسلسل الجدل الذي أثاره القانون في الأوساط الإعلامية والحقوقية. ويأتي القرار على خلفية الطعن الذي كانت قد تقدمت به فرق المعارضة في مجلس النواب .
وجاء قرار المحكمة بعد أن قدمت مكونات المعارضة في مجلس النواب عريضة طعن استناداً إلى الفصل 132 من الدستور، مطالبة بالتحقق من دستورية مشروع القانون رقم 26.25، عقب المصادقة عليه من طرف الأغلبية الحكومية رغم اعتراضات واسعة داخل البرلمان.
وأشارت المعارضة إلى أن القانون الجديد يمثل “نكوصاً” عن مكتسبات القانون السابق، ويمنح قوة مفرطة للمنابر الكبرى، ويحد من دور المجلس في التنظيم الذاتي للمهنة، إضافة إلى خرق مبدأ المساواة والتناسب وخلط السلطات التشريعية والتنظيمية.
كما أبرزت العريضة عدة ملاحظات حول المساس بحرية الصحافة والتعددية الإعلامية، وحصر الجرائم التأديبية في فئات محددة، وإقصاء الدفاع عن الأعضاء في ملفات العزل، مما يخالف أحكام الدستور.
وأكدت المعارضة أن هذه الخطوة لا تقتصر على بعدها القانوني فحسب، بل تحمل رسالة سياسية لتعزيز الرقابة الدستورية وحماية التعددية السياسية والحد من هيمنة الأغلبية العددية، وذلك بتنسيق بين الفرق البرلمانية المعارضة وجمع توقيعات أكثر من ثلث أعضاء مجلس النواب.
ما هي المواد التي أسقطتها المحكمة الدستورية؟
وفي قرارها الصادر الخميس، اعتبرت المحكمة أن البند (ب) من المادة الخامسة من القانون مخالفاً للدستور، بعلة أن التركيبة العددية للمجلس الوطني للصحافة تخل بقاعدة التساوي والتوازن بين فئتي الصحافيين المهنيين والناشرين. واعتبرت المحكمة أن منح القانون فئة الناشرين تسعة أعضاء، مقابل سبعة فقط للصحافيين المنتخبين، غير مبرَّر موضوعياً، ويتعارض مع الأسس الديمقراطية لتنظيم قطاع الصحافة كما ينص عليها الفصل 28 من الدستور.
من جهة أخرى، قضت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة، التي أسندت حصرياً لعضوين من “الناشرين الحكماء” مهمة الإشراف على إعداد التقرير السنوي للمجلس، معتبرةً أن ذلك يُقصي ممثلي الصحافيين ويخل بمبدأ التوازن داخل هيئة التنظيم الذاتي.
كذلك قضت المحكمة بعدم دستورية المادة 49، التي تخول المنظمة المهنية الحاصلة على أكبر عدد من الحصص التمثيلية الاستحواذ على جميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين، معتبرةً أن هذا المقتضى يناقض مبدأ التعددية المنصوص عليه في الفصل الثامن من الدستور، ويفضي إلى احتكار التمثيل من طرف منظمة واحدة، بشكل يتعارض مع الأسس الديمقراطية لتنظيم القطاع.
وإلى جانب المواد السابقة، صرحت المحكمة بعدم دستورية المادة 93، التي تدرج رئيس لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية ضمن تشكيلة لجنة الاستئناف التأديبية، معتبرةً أن هذا الجمع يمس بمبدأ الحياد والاستقلال، لكون العضو نفسه يشارك في اتخاذ القرار ابتدائياً ثم يساهم في البت في استئنافه، وهو ما يتعارض مع ضمانات المحاكمة العادلة المستخلصة من الفصول 23 و118 و120 من الدستور.
من جهة أخرى، أثارت المحكمة تلقائياً أيضاً الفقرة الأولى من المادة 57، التي تشترط ألا يكون رئيس المجلس ونائبه من الجنس نفسه، معتبرةً أن هذا الالتزام قد يتعذّر تطبيقه عملياً في غياب مقتضيات قانونية تضمن تمثيل الجنسين داخل كل فئة مهنية، ما يخل بمبدأ الانسجام والتناسق بين مواد القانون الواحد.
وبهذا القرار، الذي أُمرت المحكمة الدستورية بتبليغه إلى رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان ونشره في الجريدة الرسمية، بات لزاماً على المؤسسة التشريعية إعادة صياغة المقتضيات المسقَطة لتتلاءم مع المبادئ الدستورية التي رسختها المحكمة.
