اخر الاخبار
aziz saaydi

الحكومة ومنطق الحوار مع من يضغط أكثر بقلم ذ.عزيز السعيدي

في مناسبات عديدة، أثبتت الحكومة بما لا يدع مجالا للشك بأن المنطق الذي تتعاطى به مع احتجاجات ومطالب المجتمع المغربي برمته تحكمه تقلبات موازين القوى وحجم وحدة الضغط الذي تُمارسه عليها كل فئة مجتمعية على حدة. آخر مثال على ذلك وعلى انتقائية الحكومة ورضوخها وانحنائها والتراجع ولو جزئيا عن بعض قراراتها وإجراءاتها بسبب الضغط الممارس عليها على مستوى الشارع وقبول الحوار كوسيلة للحل هو ملف الأستاتذة المتعاقدين أو كما يسمون أنفسهم “الأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد” وقبله ملفات كثيرة.

فبعدما كان الحزم وعدم التراجع في ملف أسال ولا زال يسيل الكثير من المداد والدماء في شوارع الرباط وبعض المدن المغربية موقف الحكومة الرسمي والمركزي، هاهي الأخيرة تخرج للرأي العام ببلاغات تلو بلاغات مرة للتهديد ومرات أخرى للدعوة للتهدئة ومطالبة المعنيين بالأمر للعودة لأقسامهم والحوار المشروط لتجنب الأسوء. وهي بذلك تناقض بشكل كبير موقفها الأول وتعطي إشارات مغلوطة عن استقرار قراراتها وتعكس ارتجاليتها في تدبير الشأن العام ومصالح المواطنين والتلاميذ. تذبذب الحكومة وتخبطها في تدبير هذا الملف وملفات أخرى نتيجة الضغط الممارس عليها والشلل الذي تمخض عن ذلك على مستوى المرافق العمومية المعنية والتهديد بسنة بيضاء يوحي بأن الشيء الوحيد الذي سيرغم الحكومة على التراجع عن قراراتها وإجراءاتها إزاء كل فئات المجتمع يتجلى في حجم وحدة ضغط الشارع فقط.

أمثلة تعاطي الحكومة بانتقائية مع الحركات الإحتجاجية للمغاربة كثيرة ومتعددة. ففي أغلب الحالات نجد أن الحكومة تُظهر في البدء صرامة ورفض مطلق للحوار وتشبث كبير باستراتيجياتها وسياساتها ولكنها سرعان ما تتراجع عن كل أو جزء مما سنته ووضعت حجره الأساس وتقبل في لحظات ضعف الجلوس إلى طاولة الحوار والإستماع لمطالب الفئات التي كان ضغطها أكبر واستطاعت ثني الحكومة ومكوناتها عن المضي في برامجها أو إصلاحاتها كيفما كانت نوعيتها وطبيعتها. ويُشكل ملف الأساتذة المتعاقدين والأطباء والمصحات الخاصة والتجار وأصحاب المحلات التجارية أكبر دليل على أننا أمام مسلسل شد الحبل والمد والجزر بين كل أطراف الأزمات التي يعيشها المغرب يبدأ برفض الحكومة للحوار والتشبث بمواقفها الأولية في الوهلة الأولى لينتهي المطاف بقبول الحوار والرضوخ لمطالب الفئات التي تمارس أكبر قدر من الضغط والتصعيد. إنه المنطق الذي يحكم خطوات الحكومة ويملي عليها طبيعة ونوعية مواقفها وبرامجها.

كلها إشارات تثير لدى الفئات الأخرى التي لا تستجيب الحكومة لمطالبها وتتلكؤ في فتح حوار بناء وجدي معها حول ملفاتها المطلبية نوع من الإحساس بالغبن والهوان النضالي وهو ما يدفعها لمحاولة شحد همم المنتسبين إليها للعبرة وقراءة موازين القوى التي يشكل الشارع مسرحا لها في مواجهة الحكومة وتعنتها وبالتالي فهم واستيعاب المنطق الذي يحكم أبجديات الحوار الذي قد تلجؤ إليه هذه الأخيرة لحل أزماتها مع الإحتجاجات الفئوية وبالتالي اقتناص الفرص وفرض أكبر قدر من الضغط على الحكومة إن هي أرادت فرض ملفها المطلبي على هذه الأخيرة.

ففي ظل هذا المنطق، ستعود الفئوية إلى الواجهة وستسعى كل الفئات والطبقات العاملة للتصعيد وتسطير برامجها النضالية والإحتجاجية ضد الحكومة بل وستبدع في أشكالها النضالية لانتزاع ما يمكن انتزاعه منها بالتصعيد والضغط. كل ذلك غَذته مواقف الحكومة المتذبذبة والمتأرجحة والإشارات السلبية التي أرسلت ولاتزال تُرسل لكل المواطنين بأن هذه الأخيرة تتجاوب فقط مع مطالب من يضغط أكثر ومن يملك القدرة على لي ذراعها في الشراع ولدى الرأي العام وعلى مستوى علاقات المرافق العمومية المعنية بالمواطنين ومعيشهم اليومي.

بهذا الأسلوب الإنتقائي المبني على حدة ودرجة الضغط الذي تُنتجه احتجاجات المواطنين تدفع الحكومة كل الفئات ولو بشكل غير مباشر للبحث عن أنجع الوسائل لشل المرافق والساحات العمومية وعرقلة السير العادي للحياة العامة ببلادنا كما هو الحال بالنسبة للأطباء والأساتذة والممرضين وكتاب الضبط والتجار والمتصرفين والتقنين لإسماع أصواتهم وإرغام السلطات العمومية على الإذعان لمطالبها وبالتالي التراجع عن كل وأغلب الإجراءات الحكومية التي لا تخدم مصالح هؤلاء. ويظل الشارع والضغط أهم ما يمكن اللجوء إليه إن أرادت كل فئة من فئات المجتمع ثني الحكومة عن المضي قدما في تنزيل مخططاتها أو دفعها للإستجابة لمطالبها وكأن هذه الأخيرة تقول للمغاربة:
“إذا كنتم تريدون الحوار والإستجابة لمطالبكم، فأضغطوا أكثر”

x

‎قد يُعجبك أيضاً

DROGUE

إسبانيا .. حجز 1044 كلغ من الكوكايين وتفكيك شبكتين إجراميتين لتهريب المخدرات

أعلنت الشرطة الوطنية الإسبانية أمس الأحد عن تفكيك منظمتين إجراميين متورطتين في ...