اخر الاخبار
20181003_195503

من أدب الغربة والحنين إلى أدب المهجر بقلم مراد الفراسي

لطالما كان الناس يرتحلون من مكان إلى آخر، وبشكل دائم أو مؤقت طلبا لحاجات أولية كالقوت والماء والكلأ، أو هروبا من أخطار محدقة، أو بحثا عن معارف وخبرات حياتية، أو إرضاء لفضول ما، أو لأن الحياة – ببساطة-قد توجد في مكان آخر غير المكان المألوف والفضاء المرجعي الذي ألفه الإنسان وبنى فيه ثقافته. ولأن الهجرة توجد في قلب الكينونة الإنسانية، وعرفت منذ فجر التاريخ سواء بالنسبة للأفراد أو الجماعات، فإن العالم الذي نعيشه اليوم تشكل وعبر آلاف السنين، نتيجة للهجرات الكبرى والصغرى لهاته المجموعات البشرية والأفراد. كما لم تخلُ هذه الهجرات من معاناة وألم نتيجة الإبتعاد عن الوطن وعن ذلك الفضاء المرجعي. كما لم تخلُ معاناة هذه الهجرات من معالم الاغتراب ومعاناتها على نفوس أصحابها. وقد عرفت هاته الهجرات مواجهات دامية وفظائع ومظالم، لكنها لم تخل أيضا من تبادل للتجارب والمعارف والتمثلات الوجودية، متمثلة في تبادل الثقافات وتفاعلها بعضها ببعض. فكل مهاجر يحمل معه ثقافته التي اكتسبها في وطنه الأم، وطبيعي أن يترجم ثقافته في الأرض المستقبلة المحتضنة من خلال سلوكياته وأفعاله وتصرفاته، وكذلك من خلال كتاباته إذا كان المهاجر أديبا، وفنه إذا كان يحمل الفن بين ثنايا أضلعه. وقد سعى الإنسان دوما إلى نقل عاداته وتقاليده وثقافته بصفة عامة إلى الطرف الآخر، فما بالك بالإنسان المهاجر الذي يجد نفسه محاصرا بثقافة غريبة لا تمت بصلة إلى ثقافته الأم والتي يجد نفسه مضطرا إلى فهمها والتفاعل معها، ونقل ثقافته إليها.
والجذور التاريخية لأدب المهجر تضرب بأصالة في أعماق الأرض التي احتضنت البذور الأولى لهذا الأدب، والتي أتت أكلها بعد ذلك طيبا حينما وطئت أقدامهم أرض العالم الجديد، حيث تعددت الروافد التي غدت أدب هؤلاء المهاجرين في مهاجرهم. وهنا لا أقصد الأدب المهجري الذي خلفته مجموعة الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية فقط، بل أتجاوزه قبل ذلك بكثير لأن الظاهرة “الهجرة” عرفت منذ القدم وعانى أصحابها من الابتعاد عن الوطن والأهل والحنين إليهم، فقد عرف الأدب العربي في عصوره الأولى الظاهرة وخبرها وعبر عنها في مجمل أشعاره وفنه وأدبه، فشعر الغربة والحنين قديم قدم الشعر العربي نفسه. ولعل شعر الوقوف على الأطلال ومناجاتها هو في عمقه شعر حنين إلى الوطن وإحساس بالغربة عنه وعن الأهل والأحبة، فهو شعر مختلط بالحب وبالعواطف الصادقة التي شهدتها أطلال الشاعر الذي لم يكف عن مناجاتها كلما مر منها أو خطرت بباله وهو بعيد عنها، حتى وإن لم تتوفر فيها مقومات الحياة البسيطة، لذلك قال الشاعر:
بـــلاد ألفناها على كل حالة
وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسنْ
ونستعذب الأرض التي لا هوا بها
ولا مـــاؤها عذب ولاللغ
وطنْ
لا شك في أن معنى الهجر والاغتراب والحنين في اللغة والاصطلاح يحملان نفس الدلالة ونفس التيمة التي تشكلها قساوة الهجرة من المكان المألوف والذي ينتج عنه الغربة على النفس الإنسانية وما يصحب هاته الغربة من حنين إلى المكان والأهل والفضاء المرجعي الذي نشأ فيه الإنسان وترعرع.
مراد الفراسي

x

‎قد يُعجبك أيضاً

IMG-20181209-WA0008

اكادير…تأسيس الفرع الجهوي للمنظمة المغربية لحماية المال العام و الدفاع عن الحقوق الفردية و الجماعية

تم يومه السبت 8 دجنبر 2018 بالمركب الصيفي للقضاة و موظفي العدل ...