اخر الاخبار
aziz saaydi

دعوات المقاطعة و سيكولوجية الإنسان المغربي المقهور بقلم عزيز سعيدي

في خطوة لم تكن في الحسبان، انتفض المواطن المغربي في وجه الغلاء والإحتكار وقرر مقاطعة منتوجات ثلاث شركات كبرى يتهمها بعدم مراعاة القدرة الشرائية للمغاربة واحتكار السوق وعدم الإكتراث لمطالبهم التي لم تجد لا في الحكومة ولا في النقابات ولا في الأحزاب من يدافع عنها ومن يحملها على محمل الجد للتخفيف عن الضغوط التي تثقل كاهلهم في ظل صمت كل من له سلطة على الإستجابة لها.

الخطوة الإفتراضية التي تعكس بجلاء نفاذ صبر المغاربة وفقدانهم للثقة في مؤسسات الدولة أظهرت بالملموس قوة مواقع التواصل الإجتماعي في التأثير عن الرأي العام وكسر الحواجز بين الحاكم والمحكوم وبالتالي فتح قنوات جديدة غير تقليدية للتواصل وإيصال شكاوي واحتياجات الشعب لمن يهمه الأمر.
في هذا السياق، يمكن قراءة هذه الحملة من زوايا متعددة وتصنيفها حسب الهدف منها وخلفياتها؛ إذ لا يمكن فصل ردة الفعل الإفتراضية للمغاربة وتأثيرها الفعال على المنتوجات موضوع المقاطعة في أرض الواقع عن أسبابها و العوامل التي دفعت المقاطعين لتبني موقف كهذا. هنا يمكن الرجوع لسيكولوجية الإنسان المقهور لفهم خلفيات الدعوة والتعبئة وانخراط عدد مهم من المغاربة في إنجاحها والتي تشرح بشكل جلي ردود الفعل الطبيعية التي يتبناها كل شخص يشعر بقهر وظلم و حيف وكل أشكال الفساد تمارس عليه من قبل أطراف معينة سواء أكانت أشخاص عمومية أو أفراد ذاتيين مستغلين ضعفه و الإمتيازات التي يتمتعون بها وكذا مركزهم وسلطتهم في أجهزة الدولة ومؤسساتها.
وتجليات القهر في حملة المقاطعة يمكن رصدها في ردود وتعليقات المغاربة عبر مواقع التواصل الإجتماعي وحديث الناس في أزقة وشوارع المملكة وفرحهم وسعادتهم لنجاح الحملة وكذا تعبيرهم عن الرغبة في ممارسة المزيد من الضغط على الشركات الكبرى التي تستغل تحرير السوق للرفع من هامش ربحها على حساب القدرة الشرائية للمواطن وفي ظل تغاضي السلطات الرسمية عن تجاوزات السوق وعدم احترام هذه الشركات لقوانين المنافسة الشريفة التي لازال مجلسها حبيس الرفوف وكبح جماحه بعدم تفعيله وبالتالي إعطاء الشركات مجالا أكبر لخرق كل قواعد المنافسة.
وبالرجوع لبعض مضامين دراسات مصطفى حجازي في كتابه سيكولوجية الإنسان المقهور التي تركزت حول الخصائص النفسية للإنسان بالدول النامية يمكن استنتاج وجود سيطرة وتسلط في علاقة غير متكافئة بين الإنسان المتسلط القاهر والإنسان المقهور حيث يسيطر الأول على حياة الثاني على مدار مراحل سنه إذ يظل هذا الأخير تحت رحمة المتسلط وجبروته؛ وهي علاقة غير متكافئة بين أفراد المجتمع من حاكم ومحكوم ورب العمل والعامل والأب والأسرة. وينتج عن هذا كله انعدام السيطرة على انفلات العلاقات بين المتسلط والإنسان المقهور وهو ما ينتج عنه:
– عدم القدرة على تقرير المصير.
– انعدام فرص التحكم في الرزق.
– العيش دون ضمانات.
– ارتفاع نسبة الخطورة، فلا يوجد حد ادنى للحماية له.

ومما خلص إليه الكاتب استفحال العلاقة ذات الإتجاه الواحد التي يتحكم فيها الإنسان المتسلط. وينتج عن هذه النزعة المتسلطة بروز مجموعة من المواصفات التي يتصف بها عقل الإنسان المقهور. ومن بين ما يترتب عن هذه الوضعية الشاذة استفحال العدوانية و فقدان الثقة بالنفس والجماعة والتمرد وسيطرة القلق وفقدان الشعور بالأمان وسيطرة اساليب دفاعية تتحول الى عقبات في شكل التطور الاجتماعي ويسيطر عليه حالة ذهنية واحدة عليه تتلخص في كون حياته عبارة عن مأزق يصارع فيها مشاكل دائمة ومستمرة تحتاج للحلول.

وفي خضم دعوات المقاطعة التي انتشرت كالنار في الهشيم في صفوف المواطنين المغاربة، يمكن القول بأن فقدان الثقة بالنفس والجماعة دفعت المواطن المغربي المقهور للإلتجاء لأساليب جديدة دفاعية في غالبها للرد على اختلالات العلاقات المجتمعية بين مختلف فئات المجتمع وبالتالي محاولة تجاوز القلق الذي يعيش على إيقاعاته وهو ما يمكن وصفه بتمرد واضح وتعبير صريح و قوي عن رفض شريحة كبيرة من المغاربة المقهورين وعدم رضاهم عن تسلط أرباب الشركات الكبرى وجبروتها في تعاطيها مع قدرتهم الشرائية وعدم اكتراث السلطات المعنية ممن أوكلت لهم مهمة تنظيم العلاقات الإجتماعية بدورها الدستوري والقانوني و الأخلاقي المتعلق بحماية المواطن عموما و الفئات الهشة خصوصا ومساعدتها على تجاوز عوزها وضعفها وحاجتها عبر محاسبة كل المتورطين في فساد واختلالات السوق وممارسة كل اختصاصاتها لردع كل المتلاعبين بحقوق المستهلك و بجيوب المغاربة.
ولحد الساعة أبان تمرد المغاربة الإفتراضي الذي كانت له تبعات ملموسة على أرض الواقع ولو بشكل أحرج الشركات المعنية وأرغمها على التواصل لشرح ملابسات المقاطعة بل و ذهبت لأبعد من ذلك عبر تخوين المغاربة واتهامهم بالمس بالإقتصاد الوطني بل أخرج وزراء ومسؤولين من صمتهم ليعبروا عن وجود الهوة الكبيرة التي لا تزال مستفحلة بين طرفي العلاقة التي اعتمدها الدكتور الحجازي في دراساته للسلطة والتسلط فيما بينهما ولو بشكل غير مكتمل الملامح.

ونخلص في المجمل إلى كون دعوات المقاطعة ما هي إلا رد فعل طبيعي للمستهلك المغلوب عن أمره والمقهور في يومياته و علاقاته مع الشركات الكبرى وذوي النفوذ الذين يستقوون عليه بأثمنتهم المبالغ فيها ويكشرون عن أنيابهم الإقتصادية والتجارية في علاقاتهم مع المواطن المقهور ومع السلطات العمومية التي تخلت عن أدوارها الرقابية والتنظيمية في عقلنة هذه العلاقة لتكون متكافئة بين كل أطرافها وتركت الانسان المغربي المقهور في صراعه اليومي مع جشع وتسلط كل من له نفوذ وسلطة وجاه في كل الميادين.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

hamouchi

الحموشي يحقق في تزوير شواهد بكالوريا لولوج سلك الشرطة

قام المدير العام للأمن الوطني “الحموشي” بفتح  تحقيق في خروقات شابت مباراة ...